5 أسباب أخرى لإعراض الآباء عن التعليم التقليدي واللجوء إلى فكرة وليدة

لا يخفى على أحدٍ منا كم هي مرعبة فكرة عدم ذهاب فلذات أكبادنا إلى المدارس للتحصيل العلمي، ولكن المشكلة تكمن في التعليم التقليدي ذاته ونظام المدارس منتهي الصلاحية.

كلنا نحب أطفالنا ونفعل ما بوسعنا لتوفير أفضل وأجود أنواع التحصيل العلمي، ولكن هذا يجب ألا يكون على حساب جوانب أخرى من حياة أطفالنا ونشئنا.

تكلمنا في المقالة السابقة (تفضل هنا) عن 5 أسباب لإعراض الآباء عن التعليم التقليدي واللجوء إلى التعليم المنزلي.  وهنا سنتكلم عن خمس أسباب أخرى مكملة للمقالة السابقة:

5 أسباب أخرى الإعراض الآباء عن التعليم التقليدي واللجوء إلى فكرة وليدة(الجزء الثاني)

1. قلة مصاريف التعليم المنزلي

إذا قارنّا مصاريف المدارس الخاصة بالتعليم المنزلي نجن أن مصاريف التعليم المنزلي لا تكاد تذكر!  وذلك لان التعليم المنزلي هو في الواقع نمط حياة متكامل، والكثير مما يعد مصاريف هو في الواقع من ضمن مصاريف الحياة العادية.

وإذا كان لديك أكثر من طفل في البيت وكلهم متعلمين منزلياً، فإن الكثير من الوسائل التعليمية تُشترى مرة واحدة ويُعاد استعمالها مراراً وتكراراً في منزلك.

وبصفة عامة، فإن تكلفة التعليم المنزلي في منزلنا هي أقل من 1,000$ أمريكي لكل طفل في السنة (أي أقل من 100 دولار في الشهر).

وهذا المبلغ يغطي كل احتياجات العملية التعليمية من مناهج وكتب مطبوعة ودفاتر وأقلام ومستلزمات فنية وأوراق للطابعة وحبرها.  وفي بعض الأحيان هذا المبلغ يغطي رسوم نشاطات مجموعات التعليم المنزلي واشتراك بعض النوادي.

وإذا كان لديك أكثر من طفل في البيت يتعلمون منزلياً فإن تكلفة الثاني عادةً تكون أقل من الأول، والثالث أقل من الثاني …وهكذا، والسبب لأن الكثير من المستلزمات تكون مشتركة بين الجميع.

وإذا كنت مقيم في بلد يعترف بالتعليم المنزلي (كمعظم الدولة الغربية) فإن وزارات التعليم تدعم مالياً أسر المتعلمين منزلياً وتخفف العبء المالي عنهم، فيرجى مراجعة قوانين بلدك وما هي حقوقك المالية كأسرة تعلم أبنائها منزلياً.

2. القضاء الوقت الكافي مع الأبناء وتوطيد العلاقات الأسرية

إذا أردتُ أن أصف حياتنا في هذا العصر بكلمة واحدة، فستكون “السرعة“!

سرعة تناقل المعلومات.

سرعة انجاز الأعمال بكل هذه التقنيات المتوفرة.

سرعة اقتناء المال، وسرعة إنفاقه.

وكذلك سرعة انقضاء الوقت! فمن كان يبكي في ذراعك بالأمس أصبح أطول منك اليوم!

الوقت هو الشيء الوحيد الذي إذا ذهب لا يعود أبداً.  قضاء الوقت مع أبناءنا إذا ضاع ضاع معه كل ما يمكن أن يكون من تربية وتعليم وذكريات جميلة.  حياتنا أصبحت ذات وتيرة سريعة وجداولنا ملأى بكل هذه الأعمال والانشغالات، فإذا نظرنا كم من الوقت نقضي مع أطفالنا فبالكاد نجدها بضع سويعات في اليوم الواحد، ففترة الحضانة وعدد الساعات التي يقضيها الآباء مع الأبناء أصبحت في تناقص جيلاً بعد جيل.

التعليم المنزلي يمنحنا هذه الفرصة الذهبية في تهدئة وتيرة هذه الحياة السريعة والقضاء الوقت الكافي مع أطفالنا في تعليمهم وتربيتهم والإحسان إليهم والقيام بأعمال وأنشطة كثيرة معهم مما تعزز الثقة والمحبة بين الطرفين.

السنوات الأولى من حياة أي انسان هي التي تحدد مسيرة باقي حياته.  فإن كان أطفالنا مشبّعين عاطفياً ونفسياً ومتلقيين في بيئة ملؤها الحب والاحترام فهذا يعني أننا قمنا بتأسيس شخصية متوازنة ومستقرة وواثقة من نفسها تستطيع أن تنجز وتعطي وتقدم للمجتمع.

3. الحفاظ على الإبداع والابتكار لدى الأطفال والتعليم في بيئة ملؤها التجربة والمحاولة

كل طفل يولد بخيال واسع وابداع لا حد له.  قدم لأي طفل في عمر سنتين إلى ثلاث سنوات مجموعة من الأشياء وراقبه من بعيد.  سيبدأ يلعب بهذه الأشياء بغير ما قُصدت له.  إذا أعطيته مجموعة من الأقلام سيتخيل بأنها طائرات، و إذا أعطيته مكعبات سيتخيل بأنها حيوانات، وإذا انتهز فرصة عدم انتباهك ووصلت يداه إلى كتب مكتبتك أو ملفات عملك فسيتخيل أنها سفن حربية.

هذا الخيال الواسع يبدأ بالانحسار مع تقدم العمر.  قد يسميه البعض تعقّل وانضباط ولكن هو بدون شك ذهاب لهذا الخيال الواسع ومعه الإبداع والابتكار.

ولعلّ من أسباب هذا الانحسار هو نوع بيئة التلقي التي ينشأ فيها الأطفال، فمن سن مبكرة نرسل أطفالنا إلى المدارس وفيها كل هذه “الممنوعات” و”الغير ممكنات”:

لا تقف واجلس مكانك.

لا تتكلم وابقَ هادئاً.

لا تقاطع الأستاذ وانتبه له.

لا تخرج بدون استئذان.

لا تحب هذه المادة؟ لا خيار لك.

تريد أن تدرس موضوع أخر؟ لا خيارك لك.

أكتب، إقرأ، حُل التمارين…

وغيرها من اللوائح والأوامر وكأن أطفالنا أجهزة كمبيوتر نبرمج فيهم قائمة من ال “Commands”، حتى تتأصل هذه العقلية في نفوسهم وعقولهم لدرجة أنهم حتى وإن أتوا بفكرة جديدة يقومون هم أنفسهم بنسفها وعدم التطرق إليها بسبب ما تجذّر فيهم من “Commands” المنع.

التعليم المنزلي يخفف كثيراً من حدة هذه القيود ويبقي باب الإبداع والابتكار مفتوحاً دائماً، وذلك لأن الطفل ينشأ في بيئة مخالفة تماماً لنظم المدارس، فالنمط العام في التعليم المنزلي هو أن “كل شيء ممكناً، فلنجرب ونرى”.

لذلك أثبتت الدراسات في الغرب أن المتعلمين منزلياً هم أكثر مرونة وأقدر على حل المشكلات بطرق مبتكرة وغير اعتيادية، وهم أكثر قابلية لابتكار أفكار جديدة وتطويرها وتطبيقها على أرض الواقع.

4.حرية المواعيد والسفر والعلاقات الاجتماعية وعدم الالتزام بمواعيد المدراس

في نظري فإن هذه الميزة في التعليم المنزلي هي من أحب المزايا لدي. لا يوجد عندنا في بيتنا مفهوم الإجازات المحددة أو المواعيد المقيدة.  نأخذ إجازاتنا متى شئنا، ونحدد مواعيدنا متى كان مناسباً لنا.  نخرج من البيت متى كان ملائم لجدولنا لا جدول المدارس.  و نقرر تاريخ رحلاتنا متى كان الموسم أنسب لنا و لميزانيتنا المالية (دائماً نحاول تفادي السفر في الإجازة الصيفية!).

نخفف من جدولنا الدراسي في رمضان ونركز على صيامنا وعبادتنا في أي موسم جاء فيه هذا الشهر الكريم، و نحدد مدة إجازة العيد بما يحلوا لنا، وإذا قررنا السفر خلال الأعياد، فإن رحلتنا لن تكون محددة بما يمليه علينا النظام الدراسي، بل بما يمليه علينا مزاجنا (أو جيّبنا).

وبالنسبة لعلاقتنا الاجتماعية فنستطيع التزاور في الفترة الصباحية أو المسائية، خلال الأسبوع أو خلال عطلة نهاية الأسبوع، في فترة الامتحانات أو غير الامتحانات!  التقييد الوحيد الذي نواجهه هو عندما تربطنا علاقات اجتماعية مع أسر يذهب أولادهم للمدارس، هنا نتقيّد بمواعيدهم هم، فعلينا الانتظار حتى يكونوا متاحين في إجازاتهم (NO FUN!).

5. الحفاظ على المعتقدات الدينية

من الأسباب المهمة للتعليم المنزلي لدى العائلات المحافظة في الغرب هو الحفاظ على المعتقدات الدينية.  وهذا أكثر تأكيداً بالنسبة للمسلمين المقيمين في الغرب.

ولكن في زماننا الحاضر، أصبح الحفاظ على القيم الدينية في معظم البلدان العربية من الأمور الصعبة في خضم تدفق الثقافات الغربية والشرقية علينا وتدفق كل هذه الأفكار والمعتقدات المخالفة لشرعنا، فأصبح من الصعب الحفاظ على نقاوة عقائد و فطرة أبنائنا.

أنا لا أتكلم فقط عن الإعلام وما يبث فيه من مخالفات دينية وأخلاقية، بل أتكلم عن المناهج الدراسية التي تفصل عمداً بين الدين والمواد العلمية وعدم ربط القرآن الكريم بمادة العلوم مثلا أو مادة الرياضيات.

أو التلميح إلى نظريات دراوون الإلحادية في كثير من المواضيع التي تُطرح في سن مبكرة جداً.  وكذلك فصل التاريخ الإسلامي عن التاريخ المعاصر وإبرازه (أي المعاصر) من وجهة نظر غربية، في حين يُدرس تاريخنا الإسلامي بطريقة نظرية باردة و كأن الماضي قد مضى ولا علاقة له بالحاضر!

وتختلف درجة أهمية الحفاظ على المعتقدات الدينية باختلاف المكان وعمر الأبناء.  فمن كان مقيم في الغرب يجد أن الحفاظ على المعتقدات الدينية على قائمة أولويات التعليم المنزلي، في حين من هو مقيم في المملكة العربية السعودية على سبيل المثال، يجد أنه و إن كان الأمر مهم لكنه لا يشعر بهذا الكم الهائل من تهديد الهوية الدينية والثقافية.

كل هذه الأسباب وغيرها تجعل التعليم المنزلي له تأثير إجابي في الحفاظ على معتقدات كل أسرة (مسلمين أو غير مسلمين حتى)، فالتعليم المنزلي يوفر على الآباء الكثير من الجهد في غرس قيمهم الدينية والأخلاقية، فبدلا من ضياع الجهد والوقت في السباحة ضد التيار، يمكن – حين الخروج من التيار الجارف بالكلية – استثمار ذلك الوقت والجهد في غرس قيم سليمة معتدلة بناءة ورعايتها حتى النضج.

بسبب هذه الأسباب و بسبب عدم قدرة النظم التقليدية لإيجاد حل جذري و سريع لمشاكل التعليم النظامي، يلجأ الآباء إلى التعليم المنزلي.

قد يكون هناك تخوّف أو شكوك أو (في كثير من الأحيان) استهزاء بهذا النمط النوعي في التعليم، ولكن أسر المتعلمين منزلياً دائماً ينظرون إلى الأشياء بشكل عملي و محاولة إيجاد حلول تعالج مشاكلهم بطرق مبتكرة و جرئية، و الخروج عن قوالب المألوف والمتعارف إليه.

هناك أسباب أخرى تطرقنا إليها هنا، و هناك أسباب خاصة بكل أسرة قد لا تكون مهمة لغيرها من الأسر.  فالأسباب تختلف بحسب حاجات الأبناء، وبحسب المكان والزمان، ولا يمكن تصنيفها كلها في مقالةٍ واحدة!

لذلك كلما قابلت أسرة تعلم أبنائها منزلياً، إسأل بجدية “لماذا؟” وستسمع آراء و إجابات بعدد حبات الرمل!

خمس أسباب أخرى لإعراض الأباء عن التعليم التقليدي واللجوء إلى التعليم المنزلي

ربما سيعجبك أيضاً

Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments